أبو الحسن الشعراني
90
المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه
فإن قيل : ما تقول في إنشاء العقود كالبيع والنكاح ؟ قلنا : ألفاظهما تدل على قصد قلبي صار داعيا إلى التلفظ بهذه الصيغ ، كما نقول بذلك في الطلب والتمني ، وإنما حكم الشرع والعرف بأحكام تترتب عليها بعد وقوعها ، وليست هذه الأحكام التي توجد بعدها وبسببها مداليل لألفاظها وإنما مدلولها القصد الذهني لا غير . فإن قيل : يترتب أحكام بعد وجود هذه الألفاظ لم تكن تترتب قبلها وهذا يدل على وجود انتزاعي أو اعتباري يثبت عليه في الشرع والعرف أحكام ولا يترتب هذه الأحكام على نفس الحالات النفسانية التي صارت دواعي للتلفظ بها . قلنا : هذا لا يدل على أن مفهوم هذه الألفاظ الإنشائية شئ سوى الحالات النفسانية التي دعت إليها ، بل مفهومها ومدلولها هو تلك الحالات ، لكن لا يترتب على تلك الحالات النفسانية حكم ما لم يظهر باللفظ أو الحكم للفظ الدال . وبالجملة فدليلنا التبادر كما سبق ذكره ، وإنا إذا سمعنا لفظ « ليت » نفهم أن المتكلم به متمن ولا نفهم هذا إلا من لفظ « ليت » وإذا سمعنا « لعل » نفهم منه أن صاحبه راج ، ومن لفظ « اضرب » أن المتكلم طالب ، ولا نفهم هذا إلا من اللفظ لا من العقل . وهذا بخلاف ما إذا قيل زيد قائم أو ضرب زيد فإنا لا نفهم من لفظه أنه مخبر أو عالم أو متصور لهذا المعنى ، نعم نفهم ذلك من تلفظه بالعقل ، وليس في لفظه ما يكون المفهوم منه أنه مخبر وعالم ، وأما « ليت » و « لعل » و « اضرب » فاللفظ يدل . وفيما ذكرناه كفاية إن شاء اللّه .